القاضي التنوخي
173
الفرج بعد الشدة
59 لو كان العسر في كوّة لجاء يسران فأخرجاه وذكر عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، بغير إسناد ، أنّه قال : لو كان العسر في كوّة ، لجاء يسران ، فأخرجاه . قال مؤلّف هذا الكتاب : كان لي في هذا الحديث ، خبر طريف ، وذلك أنّي كنت قد لجأت إلى البطيحة « 1 » ، هاربا من نكبة لحقتني ، واعتصمت بأميرها معين الدولة أبي الحسين عمران بن شاهين السلمي « 2 » - على ما كان يقول رحمه
--> ( 1 ) البطيحة ، وجمعها البطائح ؛ يقال : تبطّح السّيل ، إذا اتّسع في الأرض ، وبذلك سمّيت بطائح واسط ، لأنّ المياه تبطّحت فيها ، وهي أرض واسعة بين واسط والبصرة ، كانت قديما قرى متّصلة ، وأراضي عامرة ، فاتّفق في أيّام كسرى أبرويز أن زادت دجلة زيادة مفرطة ، وزاد الفرات أيضا ، بخلاف العادة ، فعجزوا عن سدّها ، وتبطّح الماء في تلك الديار والعمارات والمزارع ، فطرد أهلها عنها ( معجم البلدان 1 / 668 ) ، وفي العراق ثلاث بطائح ، بطائح البصرة ، وبطائح الكوفة من فضلات ماء الفرات ، وبطائح واسط من مياه نهر دجلة ، وقد حدثت عند اشتغال الفرس بقتال المسلمين في العراق ، ومنها البطيحة العظمى ، وهي بحيرات أربع ، تدخل إليها دجلة من زقاق قصب ، ثمّ تخرج منها في زقاق قصب ثان إلى البحيرة الثّانية ، فالثّالثة ، فالرّابعة ، وعند انتهاء البطائح ، تخرج منها دجلة ، فتسمّى دجلة العوراء ، وبعد ذلك تتفرّع منها أنهار البصرة ، وتسمّى البطيحة عندهم : الهور ( تقويم البلدان لأبي الفداء 43 ) أقول : وما زال اسم البطيحة عند العراقيّين : الهور ، وجمعه أهوار . ( 2 ) معين الدّولة أبو الحسين عمران بن شاهين السّلمي : أمير البطيحة ، ورأس الإمارة الشاهينيّة ، شمل سلطانه جميع نواحي البطائح ، وكان مقرّه الجامدة ، ونشبت معارك وحروب بينه وبين الحكومات المتوالية ، وانتهت بالصلح على أن تكون له إمارة البطائح ، وطالت أيّامه أربعين سنة ، وتوفّي سنة 369 ( الأعلام 5 / 233 ) أقول : كانت البطائح في أيّام عمران بن شاهين ومن بعده ملجأ لكلّ خائف ومأوى لكلّ مطرود ( معجم البلدان 3 / 415 ) ، كما يتّضح لك من هذه القصّة ، واستمرّت ملجأ للخائفين في أيّام من خلفه حتّى إنّ من جملة من التجأ إليها القادر باللّه العبّاسي لمّا كان أميرا ، واستقرّ فيها منذ السنة 379 حتّى بويع له بالخلافة فأصعد إلى بغداد في السنة 381 ، وقبر عمران بن شاهين بالنجف ، شاهدته غير مرّة .